الحوكمة الروحية في الأوقاف: من لحظة تأمل إلى تأسيس علم
عندما تتحدث الوثيقة بلغة النيةّ:
في أثناء قراءتي لوثائق أوقاف أشيقر، كما وردت في كتاب ديوان أوقاف الصوّام بأشيقر، ووثيقة وقف صقر بن قطامي بأشيقر، وكلاهما من إعداد الأستاذ إبراهيم بن محمد السماعيل - وهما صادران عن مؤسسة ساعي لتطوير الأوقاف - استوقفتني عبارات تكررت في أكثر من وثيقة وقفية:
(رجاء القبول عند الله) ، و (احتسابًا لله تعالى) ، (ليُصرف على من لا يسأل الناس إلحافًا) ؛ إنّها كلمات ليست قانونيّة، ولا محاسبيّة؛ بل روحٌ تُكتبُ وتُنقلُ؛ لتعكس مقصدًا أعمق من التوزيع المالي: نية واقف، وخشية ناظر، وعدالة مستحق.
ومن هذا التأمل نشأت فكرة أن هناك حوكمة لا تُدار بالتقارير فقط؛ بل تُضبط بالضمير، ولا تُفعّل عبر النماذج وحدها، بل تُغرس في القلب.
الفجوة بين الشكل والروح:
في الواقع الوقفي الحديث يمكن أن نجد وقفًا مكتمل الأنظمة، دقيق التقارير، لكنه مجوّف من الداخل، لا أثر له في حياة الناس. وفي المقابل هناك وقف يسير، غير موثق رسميًّا، يُدار بروح تقوى، وعدالة ذاتية، وضمير حيّ، يثمر أكثر من مئة صفحة توثيقية.
وإنّ هذه الفجوة تُثبت أن الحوكمة المؤسسية وحدها لا تكفي، كما أن النيّة المجردة لم تعد تكفي في عصر معقد. إذًا نحن بحاجة إلى ما يربط الشكل بالمقصد، والإجراء بالضمير، والنظام بالنيّة.